فصل: المبحث الثاني: دور بولس في تغيير المسيحية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنظمات اليهودية ودورها في إيذاء عيسى عليه السلام (نسخة منقحة)



.المبحث الثاني: دور بولس في تغيير المسيحية:

من أهم معالم إيذاء اليهود للمسيح ودعوته (الدور الذي قام به بولس):
حيث كان أفراد طائفة يسوع من الحواريين يقومون بالدعوة بعد عيسى- عليه والسلام- ويقومون بمعجزات الشفاء من الأمراض، ويدلون بالنبوءات، ويرون الرؤى، فاجتذبت الطائفة عدداً من المؤمنين يبعث على الدهشة، ثم اعترف المجلس بها آخر الأمر باعتبارها حركة يهودية أصيلة، بناء على طلب أحد البارزين من الفريسيين واسمه (غمالائيل) (أعمال الرسل 5/34 بتصرف)، والمؤكد أن تلاميذ يسوع لم يكونوا يعتقدون أنهم قد أسسوا دينا جديدا، بل واصلوا حياتهم باعتبارهم يهودا يقيمون الشعائر كاملة غير منقوصة، وكانوا يترددون على المعبد معا كل يوم للصلاة، وأطلقوا على أنفسهم اسم (الفقراء) مثلما فعلت طائفة (قمران)، فتنازلوا عن ممتلكاتهم وعاشوا حياة جماعية، يتوكلون فيها- في رزق الكفاف- على الرب، مثل طيور الجو وزنابق الحقل، وكان ورعهم ذا جاذبية شديدة، وكان يحظى بإعجاب الكثيرين من زملائهم اليهود، كانوا يؤمنون بأن يسوع لا بد أن يرجع عما قريب بمجد السماء، وعندها سيتضح للجميع أن مملكة الله قد جاءت آخر الأمر.
وقد أطلق على أتباع يسوع في أنطاكية اسم (المسيحيين) لأول مرة بسبب تأكيدهم أن يسوع هو المسيح، أي الذي مسح عليه بالزيت المقدس، أو (المسيا) والتحق بالمسيحيين في أنطاكية- في نحو عام 40م يهودي من يهود الشتات، كان أول الأمر يبدى التعصب في معارضة الحركة المسيحية، ولكنه اعتنق الدين الجديد على أثر رؤيا قاهرة ليسوع- كما أخبر أو زعم- رآها أثناء سفره إلى دمشق لمواصلة اضطهاده للكنيسة هناك، ألا وهو (بولس الطوسوسي) الذي سرعان ما أصبح أحد القادة المسيحيين لأنطاكية.
كان مفهومه للمسيحية يختلف اختلافا كاملا عن مفهوم (أعمدة أورشيلم).
وعلى ندرة المعلومات المتوافرة عن بواكير حياة (بولس)، فيبدو أنه كان كأنما يبحث عن شيء جديد، كان قد درس التوراة على أيدي (غمالائيل) والتحق بالطائفة الفريسية، أشهر فرق اليهود انعزلوا عن الشعب واتخذوا معالم خاصة لسلوكهم، يؤمنون بقدسية التوراة، ويضيفون إليها مكونات التلمود من روايات شفوية ووصايا وتفاسير، ويسمون أنفسهم الأحبار أو الربانيين، عاصروا المسيح وعارضوه في كثير من مبادئ دعوته، وأبرزها قضية فصل الدين عن السياسة التي صرح بها المسيح، استهوتهم الدنيا فأقبلوا على الشهوات واستنزاف أموال الناس فاختلت منزلتهم وتخلى عنهم كثير من أتباعهم، سماهم المسيح المرائين، ويقولون بالمحافظة على الشريعة مع التقاليد اليهودية المتوارثة من قبل الأسر، يؤمنون بالمسيح المخلص، والبعث، وقيامة الأموات واليوم الآخر.
وقال الشيخ عبد الوهاب النجار: كان بين اليهود قوم يقال لهم (الفريسيون) وحقيقة هذا الاسم أنهم قوم تجردوا لطاعة الله تعالى وملك عليهم حبه مشاعرهم، فتفرغوا للعبادة وانقطعوا عن العباد وزهدوا في حطام الدنيا الفانية، وأقبلوا بكليتهم على الآخرة، ولكنهم من قبل زمن المسيح عليه السلام قد انحرفوا عن سنن أسلافهم، وألهتهم الحياة الدنيا بزبرجها وزخرفها، وأقبلوا على الشهوات يستسرون بها، وهم في عملهم يراؤون الناس استدراجا لهم ليوقعوهم في مخالبهم ويبتزوا أموالهم، فكان ظهورهم بمظهر الزهد شركا نصبوه لصيد الدرهم والدينار،
وكان هناك الكتبة ومن وظائفهم الوعظ وكتابة الشريعة لمن يطلبها وكانوا في شئونهم يشبهون الفريسيين في تصيد أموال الناس، وكان هناك الكهنة وخدمة الهيكل، وكانوا قد صاروا إلى حال رديئة ويحرفون كلام الله ويتهالكون على الحطام الفاني.
وفي قاموس الكتاب المقدس: وقبل بمعنى أنه صار ذا رأي وعلم بالأمور، فهو فارس أي عالم بالأمر وهم فوارس، فريسي، فريسيون، الكلمة من الآرامية ومعناها (المنعزل) وهي إحدى فئات اليهود الرئيسية الثلاث التي كانت تناهض الفئتين الأخريين، فئتي الصدوقيين والآسينيين، وكانت أضيقها رأيا وتعليما.
ويرجح أن يكون الفريسيون خلفاء الحسيديين المتظاهرين بالتقوى (القديسيين) المذكورين في (المكابيين) والذين اشتركوا في الثورة المكابية ضد أنطيوخوس أبيفانيس.
وقد ظهر الفريسيون باسمهم الخاص في عهد يوحنا هركانوس، وكان من تلامذتهم فتركهم والتحق بالصدوقيين وسعى ابنه (إسكندرينايوس) من بعده إلى إبادتهم، غير أن زوجته (إلكساندره) التي خلفته على العرش سنة 78ق. م. رعتهم فقوى نفوذهم على حياة اليهود الدينية وأصبحوا قادتهم في الأمور الدينية.
أما من حيث العقيدة فكانوا يقولون بالقدر ويجمعون بينه وبين إرادة الإنسان الحرة، وكانوا يؤمنون بخلود النفس وقيامة الجسد ووجود الأرواح ومكافأة الإنسان ومعاقبته في الآخرة، بحسب صلاح حياته الأرضية أو فسادها غير أنهم حصروا الصلاح في طاعة الناموس فجاءت ديانتهم ظاهرية وليست قلبية داخلية، وقالوا بوجود تقليد سماعي عن موسى تناقله الخلف عن السلف وزعموا أنه معادل لشريعته المكتوبة سلطة أو أهم منها، فجاء تصريح المسيح بان الإنسان ليس ملزما بهذا التقليد.
وكان الفريسيون في أول عهدهم من أنبل الناس خلقا وأنقاهم دينا، وقد لاقوا أشد الاضطهاد، غير أنه على مر الزمن دخل حزبهم من كانت أخلاقهم دون ذلك، ففسد جهازهم واشتهر معظمهم بالرياء والعجب، فتعرضوا عن استحقاق للانتقاد اللاذع والتوبيخ القاسي (فيوحنا المعمدان) دعاهم والصدوقيين (أولاد الأفاعي) كما وبخهم (السيد المسيح) بشدة على ريائهم وادعائهم البر كذبا وتحميلهم الناس أثقال العرضيات دون الاكتراث بجوهر الناموس. وكانت لهم يد بارزة في المؤامرة على حياة المسيح.
ومع هذا فكان في صفوفهم دوما أفراد مخلصون أخلاقهم سامية منهم (بولس) في حياته الأولى، ومعلمه (غمالائيل).
[انظر في هذا: اليهودية، د/ أحمد شلبي، صـ 226- 233، والفكر الديني اليهودي، د/ حسن ظاظا، صـ 210- 213، وقصص الأنبياء للشيخ عبد الوهاب النجار، صـ 469، وقاموس الكتاب المقدس، صـ 674، 675].
ولكنه كان يحس أن التوراة تمثل عبئا مدمرا لحريته الشخصية، وأنها عجزت عن توفير الخلاص له أو السلام أو التوحيد مع الله.
بل أصبح بولس يعتقد بعد الرؤيا التي رآها في طريقه إلى دمشق أن يسوع قد حل محل التوراة باعتباره التجلي الأول لله في العالم، إذ كانت وفاة يسوع وبعثه يمثلان فاتحة مرحلة جديدة في تاريخ الخلاص، إذ أصبح من الممكن الآن لليهودي وغير اليهودي الدخول على حد سواء في إسرائيل الجديدة عن طريق طقوس التعميد التأهيلية، والتي تستطيع إدماج كل منهما على حد سواء على المستوى الروحي في المسيح، ولم تكن ثمة حاجة بالمسيحيين إلى مراعاة قوانين الطعام، أو إلى الانفصال عن الأمم الأخرى، أو إلى ممارسة الختان، لأن هذه جميعا كانت من سمات العهد القديم الذي تجاوزه الزمن، بعد أن أصبح كل من يعيش (في المسيح) من أبناء الرب وأطفال إبراهيم مهما تكن أصولهم العرقية.
كانت إعادة تفسير بولس لسنن الدين تتضمن تنقيحا مذهلا، وقد تقبلها الناس في الشتات ليس بسبب إمكان إثبات صحتها عقلانيا، وليس لأنها كانت تتسق مع الحقائق التاريخية عن حياة يسوع وموته، ولكن جاذبية نظرة (بولس) إلى (يسوع) كانت ترجع إلى تناغمها تناغما عميقا مع التطورات الدينية الأخرى في العالم اليوناني الروماني في تلك الفترة.
ورأينا أيضا أن هذا الاتجاه كان قد بدأ ظهوره في اليهودية الفلسطينية، فكان الفريسيون وطائفة قمران يعتبرون أن رابطتهم الدينية بمثابة معبد جديد، وكان المسيحيون آنذاك قد بدأوا الانتقال من مرحلة المعبد إلى الرجل المقدس، وحلت محل طقوس الحج والتطهير القديمة طقوس مسيحية جديدة تتمثل في اعتناق الدين ومراسم الدخول فيه، والتوحد مع يسوع الإنسان، الذي اكتسب منزلة مقدسة عندما رفعه الله من الموتى.
وهكذا يتجه (بولس) إلى تعليم المسيحيين أن يسوع هو مركز الخلاص، وأنه سوف يخلصهم لا من العماء الأولى بل من قوى الخطيئة والموت وهى القوى الشيطانية.
[القدس مدينة واحدة، عقائد ثلاث، تأليف كارين أرمسترونج، صـ 246- 250 بتصرف].
فمن بولس؟ إنه صاحب 14 رسالة من رسائل الرسل التي هي (22 رسالة).
ولد بولس في طرسوس وتربى في أورشليم، واسمه الأصلي (شاؤل) واختلف في أمر جنسيته، هل هو من الفريسيين الذين يقولون: إن هناك قيامة يشاركون فيها ملك المسيح في الدنيا، أم لا؟ وهل هو من الرومان؟ أم من اليهود، وإن كنا نرجح أنه من الفريسيين اليهود لقوله عن نفسه: أنا يهودي فريسي بن فريسي، على رجاء قيامة الأموات.
[أعمال الرسل، إصحاح 6: 23].
وأن ادعاءه الرومانية كان حيلة لينجو بجلده، وقد تم له ما أراد، كما ذكر ذلك في سفر أعمال الرسل، في آخر الإصحاح الثاني والعشرين.

.قصة دخوله المسيحية:

كان بولس هذا في صدر حياته من أشد أعداء المسيحية وأبلغهم كيدا لها، وأكثرهم إمعانا في أذي معتنقيها، كما قال عن نفسه أيضا: سمعتم بسيرتي قبلا في الديانة اليهودية، أني كنت أضطهد كنيسة الله، بإفراط وأتلفها، وكنت أتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابي في جنسي، إذ كنت أوفر غيرة في تقليدات آبائي.
[غلاطية، 1: 13، 14].
ويقول لوقا عنه- في أعمال الرسل: وكان (شاؤل) راضيا بقتل المسيحيين، وكان يسطو على الكنيسة، ويدخل البيوت ويجر رجالا ونساءا ويسلمهم إلى السجن ولم يزل ينفث تهديدا وقتلا على تلاميذ الرب، فتقدم إلى رئيس الكهنة وطلب منه رسائل إلى دمشق، حتى إذا وجد أناسا في الطريق رجالا أو نساءا يسوقهم موثقين إلى أورشليم.
[أعمال الرسل، 9: 1، 2].
ولكنه انتقل إلى المسيحية فجأة من غير تقدمات، قدمت ذلك الانتقال، ولا تمهيدات مهدت له، غير أنه زعم أنه في ذهابه حدث أنه اقترب من دمشق، فبغتة أبرق حوله نور من السماء فسقط على الأرض وسمع صوتا قائلا له: شاول شاول لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيد؟ فقال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده، صعب عليك أن ترفس مناخس، فقال وهو مرتعد ومتحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل؟ فقال له الرب قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل.
وفي لوقا: فقال له قم وكرز بالمسيحية، وفي ختام هذه القصة يقول لوقا جملة ذات بال، غيرت وجه التاريخ، وهي: وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيحية أن هذا هو المسيح ابن الله.
[أعمال الرسل، إصحاح، 9: 3- 6، 60].
ودخل بولس في المسيحية- وحاول ان يتصل بتلاميذ المسيح، ولكنهم أوجسوا منه خيفة، ولم يصدقوا إيمانه- وحق لهم- ولكن شهد له (برنابا) فصدقه الآخرون، وإن كان (برنابا) لما عرف حقيقة أمره، تخلى عنه بعد أن ظهرت اتجاهاته، وانفض عنه فيمن انفضوا.
[المسيحية، صـ106، بتصرف].
هذا... وفي حكاية إيمان (بولس) وقصة الرؤية التي رآها من الاختلاف بين الإصحاحات ما يجعلها باطلة كاذبة.
[إظهار الحق للشيخ رحمة الله الهندي، ج1، صـ 128، بتصرف، ط/ دار التراث العربي].
وبهذه الخطة الماكرة استطاع هذا الرجل أن يحرف في جوهر الديانة المسيحية، دون أن يستطيع أحد معارضته، لأنه زعم لهم أنه يتلقى التعاليم من المسيح تلقيا إلهاميا روحيا، وصدقوه في ذلك، وأدخل في المسيحية ما أدخل، وحرف فيها ما حرف، وكاد لدين الله أيما كيد.
[مكايد يهودية عبر التاريخ، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، صـ 34- 36].
ولقد تعجب دارسو الأديان فقالوا: كيف ينتقل رجل من كفر بدين، مع اضطهاد أتباعه، إلى الاعتقاد الشديد به طفرة من غير سابق تمهيد، ولو كان الانتقال مقصورا على مجرد الانتقال من الكفر إلى الإيمان- فإن لذلك نظائر وأشباها- لزال العجب، ولكن العجب أن ينتقل شخص من الكفر المطلق بدينه إلى الرسالة في الدين الذي كفر به، فإن ذلك ليس له نظير، ولم يعهد ذلك في أنبياء ورسل قط.!!
وليذكر لنا المسيحيون مثالا على ذلك، ليذكروا لنا رسولا بعث من غير أن يكون في حياته الأولى استعداد لتلقى الوحي، وصفاء نفس يجعله أهلا للإلهام، ولا يجعل الاتهام والتكذيب يغلبان على رسالته، وأنه إذا لم يكن للرسالة إرهاصات قبل تلقيها، لا يكون على الأقل قبلها ما ينافيها ويناقضها.
ولكن بولس- أبو العجب- استطاع أن يتغلب على ذلك العجب في عصره، وأن يفرض على المسيحيين آراءه من بعده، وأن يحكم على نسيان العقل عندما يدرسون أقواله وآراءه وتعاليمه.
ومن يومها استطاع بولس أن يفرض ما ارتآه على المسيحيين فيعتنقوه دينا، ويتخذوا قوله حجة، زاعمين أنه رسالة أرسل بها حتى صارت المسيحية الحاضرة منسوبة إليه، فهو المؤسس الحقيقي لها.
وقد ساعده على القيام بدوره عدة صفات امتاز بها، هي:
1- أنه كان نشيطا دائم الحركة، ذا قوى لاتكل، وذا نفس لا تمل.
2- أنه كان المعيا شديد الذكاء، بارع الحيلة، قوى الفكر، يدبر الأمور لما يريدها بدهاء الألمعي، وذكاء الأروعي، يسدد السهام لغاياته ومآربه فيصيد بها.
3- أنه كان شديد التأثر في نفوس الجماهير، قوى السيطرة على أهوائهم، قديرا على انتزاع الثقة به ممن يتحدث إليه.
[محاضرات في النصرانية، صـ81- 87 بتصرف].
وكان التحول الذي حدث لبولس وهو في طريقه إلى دمشق تحولا مثيرا، وكان مثالا للمعنى الذي رآه المسيحيون الأوائل في اعتناق المسيحية، كان يمثل انقلابا، وقلبا للقيم المقدسة القديمة رأسا على عقب، وهو ما بدأ الكثيرون يرون فيه وسيلة للتحرر.
ومنذ هذه اللحظة أصبحت المسيحية لا تضرب بجذورها في مكان معين.
وأصبح البطل الجديد للمسيحية هو: (بولس) الرحالة، الذي لا يقيم في مدينة معينة في هذا العالم، بل يشار إليه دائما في صورة المسافر، ومع ذلك فقد كان الانفصال عن أورشليم مؤلما.
ولقد وقع صدام مرير بين بولس والكنيسة الأم بعد أن اكتشف (يعقوب) أن المسيحيين في أنطاكية لا يأكلون طعام اليهود الخاص، ويختلطون دون قيود مع أبناء الأمم الأخرى، وتوصل الطرفان إلى حل وسط، عين بموجبه (بولس) مسئولا عن البعثة للأمميين.
[القدس مدينة واحدة، صـ251 بتصرف].
لقد اقترح بولس صورة جديدة للسيد المسيح، وهي صورة قلبت الفكر الذي ينسب للمسيح، لقد ترك (بولس الرسول)، عن المسيح رسما واضح القسمات وإن اختلفت ظاهرا عن رسم مسيح الأناجيل، فمسيح (بولس) هو مسيح الإيمان أكثر منه مسيح التاريخ، ولا عجب فبولس الفيلسوف واللاهوتي لم ير المسيح في الجسد ولا رافقه كباقي الرسل، فمسيحه هو ابن الله.
[) روما: 8/ 3- 23، غلاطية، 4: 4].
له طبيعتان: إلهية وإنسانية، تجسد واتخذ صورة عبد.
[فيلبي: 2: 7].
وتحدر من ذرية إبراهيم حسب الجسد.
[غلاطية: 3: 5].
ومات مصلوبا، وقبر وقام من بين الأموات.
[كورنثوس الأولى، 1: 24، 27، وفيلبي 15].
نعم ذلك هو مسيح بولس وليس عيسى ابن مريم عليه السلام.
[يسوع المسيح الأب بولس إلياس، صـ 17- 18، نقلا عن: المسيحية، د/ أحمد شلبي، صـ 93- 94، بتصرف].
كيف تعلم شاؤل المسيحية؟ أو من هم أساتذته في المسيحية؟ إن شاؤل قد أعد لهذا السؤال إجابة شبيهة بقضية دخوله المسيحية، فهي إما أن تقبل وإما أن ترفض ولكنها على كل حال لا تناقش، قال: أعرفكم- أيها الأخوة-، الإنجيل الذي بشرت به أنه ليس بحسب إنسان، لأني لم أقبله من عند إنسان ولا علمته من إنسان، بل بإعلان يسوع المسيح.
[أعمال الرسل، 9: 26- 27].
وهكذا أخذ شاؤل الذي أصبح يدعي (بولس)بعد دخوله المسيحية الزمام، فوه لم ير المسيح قط ولا سمعه يتكلم، ولكنه قال بصلة مباشرة بينه وبين المسيح، صلة أدخلته المسيحية وسكبت في نفسه تعاليم جديدة، وبهذه الدعوى لم يعد لأحد الحق في أن يناضله فيما ينشره من تعاليم، مادام يقول إن هذه التعاليم تلقاها مباشرة من السيد المسيح، وراح (بولس) يعلم ديانة استمد لها عناصر من الثقافات الأجنبية التي كان بولس على علم واسع بها. فأخذ يعلم الناس أن (عيسى) لم يكن المسيح الموعود فحسب، بل إنه ابن الله نزل إلى الأرض ليقدم نفسه قربانا ويصلب تكفيرا عن خطيئة لبشر، فموته كان تضحية مثل ممات الضحايا القديمة من الآلهة في أيام الحضارات البدائية من أجل خلاص البشرية..
[المسيحية، صـ101 بتصرف].
فما بشربه (عيسى) كان ميلادا جديدا للروح الإنسانية، أما ما البشر به بولس فكان الديانة القديمة ديانة الكاهن والمذبح وسفك الدماء طلبا لاسترضاء الإلهة، كان (عيسى) في نظره (حمل عيد الفصح)، تلك الضحية البشرية المأثورة المبرأة من الدنس أو الخطيئة، وقد أدخل (بولس) على ديانته بعض تعاليم اليهود ليجذب أتباعا له من اليونان، فبدأ يذيع أن (عيسى) منقذ ومخلص وسيد، استطاع الجنس البشري بواسطته أن ينال النجاة، وهذه الاصطلاحات التي قال بها بولس كانت شهيرة عند كثير من الفرق، فانحاز أتباعها إلى ديانة بولس، وعمد كذلك- ليرضى المثقفين اليونان- فاستعار من فلاسفة اليونان وبخاصة الفيلسوف (Philo) فكرة اتصال الإله بالأرض عن طريق الكلمة، أو ابن الإله أو الروح القدس، من هنا جعل (بولس) المسيحية دينا عالميا، وليس دينا لبني إسرائيل فقط، وقال بالتثليث، وتبع ذلك ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس، وجعل عيسى ابن الله نزل ليضحى بنفسه تكفيرا عن خطيئة البشر، وقيامة عيسى من الأموات وعودته ليجلس عن يمين أبيه كما كان من قبل ليحكم ويدين البشر.
[راجع بتوسع: المرجع السابق، صـ98- 114].
لقد وصف بولس بأنه استهدف غاية اليهودية في الدخول إلى المسيحية ليحاربها من الداخل بسلاح الهدم والتدمير، متعاونا في ذلك مع أبناء دين اليهود في سبيل القضاء عليها.
[المخططات التلمودية، صـ118].
فبولس هو المؤسس الحقيقي للديانة المسيحية السائدة، وقد طور فكرة المسيح من الناحية اللاهوتية والناحية الإنسانية، وجعلها تتناسب مع فكرة الإنقاذ القديمة، فقدم آدابا مستحدثة في طابع قديم مألوف، وبهذا فصل دعوة عيسى عن اليهودية، ولم ينفر (بولس) من الطقوس الوثنية، بل على العكس اقتبس كثيرا من هذه الطقوس ليضمن نشر ديانته بين الوثنيين دون أن ينفروا منها، وليبعد ديانته أيضا عن أن تذوب في اليهودية.
ومن الصور التي حقق بها هذا الغرض أن جعل عطلة الأسبوع يوم الأحد، متبعا في ذلك تقاليد (Mithras) وأهمل يوم السبت وهو اليوم المقدس عند اليهود.
واقتبس بولس من الوثنيات كذلك أعياد رأس السنة، وعيد القيامة، وعيد الغطاس، وأطلق عليها مسميات جديدة، فعيد الربيع عند (Ostara) أصبح عيدا لخروج عيسى من القبر (Easter) وطقوس السر المقدس أخذت مكان معبد التضحية عند اليهود، وعيسى أصبح (ابن الله) حملت به أمه العذراء حملا غير طبيعي، واحتلت صورة العذراء والمسيح مكانا مقدسا احتلته قديما صورتا حوروس وأوزيرس (Hurus and osiris) ووضعتا في كل الكنائس وأما المعابد ذات الأهمية الكثيرة فكانت تذكارا للأحراش والغابات ذوات الأشجار الكثيفة التي كانت مكانا للعبادة لدي الأمم القديمة.
تلك أمثلة مما اقتبسته المسيحية من الوثنية، ولكن يجب ألا ننسى أنه على الرغم من كثرة ما أخذت المسيحية من الوثنية لم تعد المسيحية وثنية في روحها، بل ظلت متمسكة بتحفظها الديني الذي ورثته من اليهود، كما حافظت على ابتعادها عن الناحية الجسمانية الشهوانية.
وقد ظلت المسيحية كذلك طالما كانت مضطهدة تحارب لتعيش، فلما أصبحت أقوى من أعدائها تغيرت الأحوال فقل صفاؤها وضعف، وظهرت بها الفرق والأحزاب التي استقلت كل منها بتنظيم وأصبح رؤساؤها رجال سياسة وقادة دينيين في نفس الوقت.
وعند نهاية القرن الثاني كان أتباع المسيحية أكثر من أتباع أي دين آخر، وكان الرومان مع تسامحهم تجاه كل الأديان يضطهدون المسيحيين لأسباب ثلاثة:
1- اعتبرهم الرومان غير مخلصين للوطن لتنبئهم بسقوط الإمبراطورية، ولأنهم امتنعوا عن الخدمة العسكرية وعن شغل الوظائف.
2- اعتبرهم الرومان غير متجاوبين مع الاتجاه الاجتماعي في الإمبراطورية، لأنهم لم يشتركوا في الأعياد العامة.
3- اعتبرهم الرومان أميل للفجور وسوء الأدب، لأن أغلب الأسر التي تنصرت كان مصيرها الفرقة والانحلال.
[المسيحية، د/ أحمد شلبي، صـ 82- 83].
فمما لاشك فيه أن بذور الضعف في المسيحية زرعها- بحسب رأى كثير من العلماء- بولس (شاؤل) الرسول، يوم أن عجز عن القضاء على المسيحية فآثر الانتساب إليها ليعمل على تحقيق غاية من داخل المسيحية نفسها.
[المرجع السابق، 57].
وهذا التحول الذي أعلنته المسيحية من التسامح والرضا بالضيم، إلى الحقد والثأر يمثل التحول من أفكار عيسى إلى أفكار بولس.
[المرجع السابق، 72].